محمد بن جرير الطبري

208

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

به لأَن له معنى يفعل الذي لم يكن ولم يجب بعد . قالوا : فالإِضافة فيه للفظ ، وترك الإِضافة للمعنى . فتأويل الآية إذا : واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليه والصلاة ، وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابي ، المتواضعين لأَمري ، الموقنين بلقائي والرجوع إلي بعد مماتهم . وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرة إلا على من هذه صفته ؛ لأَن من كان غير موقن بمعاد ولا مصدق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب ، فالصلاة عنده عناء وضلال ، لأَنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضر ، وحق لمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة عليه كبيرة ، وإقامتها عليه ثقيلة ، وله فادحة . وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله ، الراجين عليها جزيل ثوابه ، الخائفين بتضييعها أليم عقابه ، لما يرجون بإقامتها في معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها أهلها ، ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مضيعها . فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسرائيل الدين خاطبهم بهذه الآيات أن يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقين بأنهم إلى الله راجعون وإياه في القيامة ملاقون . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ قال أبو جعفر : والهاء والميم اللتان في قوله : وَأَنَّهُمْ من ذكر الخاشعين ، والهاء في " إليه " من ذكر الرب تعالى ذكره في قوله : مُلاقُوا رَبِّهِمْ فتأويل الكلمة : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون . ثم اختلف في تأويل الرجوع الذي في قوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ فقال بعضهم بما : حدثني به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ قال : يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة . وقال آخرون : معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم . وأولى التأويلين بالآية القول الذي قاله أبو العالية ؛ لأَن الله تعالى ذكره ، قال في الآية التي قبلها كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ البقرة : فأخبر الله جل ثناؤه أن مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم ، وذلك لا شك يوم القيامة ، فكذلك تأويل قوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر : وتأويل ذلك في هذه الآية نظير تأويله في التي قبلها في قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي وقد ذكرته هنا لك . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ قال أبو جعفر : وهذا أيضا مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم . ويعني بقوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ أني فضلت أسلافكم ، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم ، إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأَبناء ، والنعم عند الآباء نعما عند الأَبناء ، لكون الأَبناء من الآباء ، وأخرج جل ذكره قوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ مخرج العموم ، وهو يريد به خصوصا ؛ لأَن المعنى : وإني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه . كالذي : حدثنا به محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ قال : فضلهم على عالم ذلك الزمان . حدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ قال : بما أعطوا من الملك والرسل والكتب